ليس تفسيـرُ الدستور مهمةً سهلة، لا سِيَّما في لبنان حيث السلطةُ السياسية التي اعتادتْ تطويعَ النصِّ الدستوريِّ لمصالحها المُتـقـلِّبة، وفقًا لـمنطق التسويات والتوازن الهشِّ القائم بـما باتَ معروفًا بين الزعماء الذين يُسيطرون على مختلف مؤسَّسات الدولة. تَنطوي الدساتير عادةً على أحكامٍ عامَّة تحتملُ قراءاتٍ مختلفة، ما يجعلُها عرضةً للجدلِ أكثر من سائر النصوص القانونية العادِية. وتقوم السلطاتُ الدستورية في معرض تَطبيـقها للنصِّ الدستوريِّ بـتَـفسيره، إذْ يُشكِّل هذا التطبيقُ شكلًا من أشكال التفسير، وذلك بغَضِّ النظر عن مدى صَوابِـيَّـته أو تَجـرُّده عن كُلِّ مصلحةٍ سياسية.
ليس تفسيـرُ الدستور مهمةً سهلة، لا سِيَّما في لبنان حيث السلطةُ السياسية التي اعتادتْ تطويعَ النصِّ الدستوريِّ لمصالحها المُتـقـلِّبة، وفقًا لـمنطق التسويات والتوازن الهشِّ القائم بـما باتَ معروفًا بين الزعماء الذين يُسيطرون على مختلف مؤسَّسات الدولة. تَنطوي الدساتير عادةً على أحكامٍ عامَّة تحتملُ قراءاتٍ مختلفة، ما يجعلُها عرضةً للجدلِ أكثر من سائر النصوص القانونية العادِية. وتقوم السلطاتُ الدستورية في معرض تَطبيـقها للنصِّ الدستوريِّ بـتَـفسيره، إذْ يُشكِّل هذا التطبيقُ شكلًا من أشكال التفسير، وذلك بغَضِّ النظر عن مدى صَوابِـيَّـته أو تَجـرُّده عن كُلِّ مصلحةٍ سياسية.
فرئيسُ الجمهورية مثلًا عندما قام بتَأجيل اجتماع مجلس النواب، عملًا بالمادة ٥٩ من الدستور، برسالةٍ وليس بمَرسومٍ ــ قدَّم تفسيرَه الخاص للدستور، إذِ اعتبـرَ أنَّ الدستورَ منحَه صلاحيةً فرديةً يُمكن له ممارستها دون الحاجةِ إلى إصدار مرسومٍ يحملُ أيضًا توقيعَ رئيس مجلس الوزراء. كذلك عندما رفضَ رئيس مجلس النواب استلامَ مشاريعِ القوانين التي أحالَـتها حكومةُ فؤاد السنيورة عقبَ الأزمة الوزارية التي اندلعَتْ سنة ٢٠٠٦، قام رئيسُ المجلس بتَفسير الدستور وفقًا لـقراءته الشخصية له ومن ثمَّ طبَّـقَ تفسيـرَه، كونه الجهة المسؤولة عنِ استلام مشاريع القوانين التي تُحيلها الحكومة إلى مجلس النواب. والأمثـلةُ تتعدَّد ولا يمكن استعراضُ جميعها هنا: كـرَفـضِ وزيرٍ ما التوقيع على مراسيمَ أقـرَّها مجلسُ الوزراء، مُعتبـرًا أنَّ عدمَ وجود مهلةٍ دستورية للوزير ــ حُجةٌ تَسمحُ له برفض التوقيع، أو رفض رئيس مجلس الوزراء دعوة مجلس الوزراء دوريًّا إلى الاجتماع، مُعتبـرًا أنَّ كلمةَ «دوريًّا» لا تَفرِضُ عليه دعوةَ مجلس الوزراء بانتـظامٍ، بل إنَّ إرادته تظلُّ حرةً طليقة بحيث يُمكن له الامتـناع عن الدعوة لأجلٍ غير مُحدَّد. جرَّاء ما تقدَّم، يتبين لنا أنَّ تطبيقَ الدستور من قِبَلِ المؤسسات الدستورية هو شكلٌ من أشكال التفسير التي لا تُلزِم سوى الجهة التي تُطبِّـقها، لذا غالبًا ما يتم انتـقادُها والتشكيك بها إنْ لم يكن رفضها بالمطلق كتفسيراتٍ مُخالفةٍ للدستور. لكنَّ تفسير الدستور لا يقتـصر على السلطات السياسية، بل هو أيضًا عملٌ يقوم به فقهاء القانون من خلال تعليقـهم على الحياة الدستورية ومراقبة تطورها، وهم يَعرضون لـتَفسيرهم الخاصِّ للنصوص الدستورية وفقًا لمنهجيةٍ علمية تختلف أو تتـفق بحسب المدارس الفقهية التي ينـتمي إليها هذا القانونيُّ أو ذاك. في مطلق الأحوال يظلُّ السؤال قائمًا: هل مِنْ معيارٍ يَسمح لنا بتصنيف تلك التفاسير المختلفة بحيث نستطيع تحديدَ الجهة المُخولة بتَـقديم التفسير الصحيح للدستور، ذلك في حال افتـرضنا أنَّ وجود تفسيرٍ كهذا هو أمر مُمكِن. للإجابة عن هذا السؤال لا بُدَّ لنا من العودة إلى العالِم الكبير «هانس كلسن» الذي تُشكِّل كتاباتُـه حول نظرية القانون المرجعَ الفكريَّ حول بنية النظام القانونيِّ وعلاقة النصوص القانونية فيما بينها. يُميِّـز كلسن بين التفسير العلمي (interprétation scientifique) والتفسير الأصلي (interprétation authentique). فالتفسيرُ العلميُّ أو الفقهيُّ، هو التفسير الذي يَصدر عن فردٍ أو جهة مُعيَّـنة، لكنه بغَضِّ النظر عن قيمته العلمية ــ غيـرُ ملزم. أما التفسير الأصليُّ، فهو التفسير الذي يَصدر عن جهةٍ خوَّلَها القانون تفسيرَ النص. فالمحاكم مثلًا في معرض تطبيقها للقوانين تـقوم بتفسيرها، وهي تستطيع فرضَ هذا التفسير بصرف النظر عن مضمونه. فالتفسير الأصليُّ لا يكتـرث بالمضمون، بل هو فقط ينظر إلى الجهة التي تبنَّـته، وهل هي مُخولة قانونًا لفعل ذلك أم لا. فالنصُّ الذي جرى تفسيره بشكلٍ أصليٍّ لا يمكن له أن يَحتمل أيَّ تفسيرٍ مغاير للتفسير الذي صدر عن الجهة المُخولة قانونًا بذلك، حتى لو جاء هذا التفسير غريبًا جدًّا أو كان مخالفًا لرأي غالبية فقهاء القانون. فبينما يُنـتِج التفسير الأصلي مفاعيلَ قانونية، نـجد أنَّ التفسير العلمي لا مفاعيلَ قانونية له. فهل تفسير مجلس النواب للدستور هو تفسيرٌ علميٌّ أو أصليّ؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي علينا الإجابة عليه. إنَّ المبدأ الذي يَحكم تفسير النصوص القانونية يتم التعبير عنه بالتالي: (Eius est interpretari legum cuius est condere) أيْ أنَّ السلطةَ التي تُصدِر القانونَ هي المُخولة بتفسيره. فمِنَ الطبيعيِّ والمنطـقي أنْ يتولَّى مجلسُ النواب تفسيرَ القوانين التي يُصدِرها، وكي يصبح تفسيره مُلزِمًا، عليه أنْ يقوم بالتفسير عبر التصويت على قانونٍ جديد يَشرح القانون المُبهَم. وبما أنَّ كلَّ تفسيرٍ هو شكلٌ من أشكال التعديل المُبـطن، كان لا بُدَّ أنْ يصدرَ التفسير بالطريقة ذاتها التي يَصدر بها التعديل. لذلك يُعتبـر تفسير الدستور نوعًا من التعديل، وذلك في حال أردنا أنْ يُصبح هذا التفسير مُلزِمًا للجميع. وبالتالي، فإنَّ الجهةَ التي يَحِقُّ لها تفسير الدستور ليست إلا الجهة المُخولة بتَعديله، وهي في لبنان وفقًا للقسم (ب) من الباب الثالث من الدستور ــ مجلسُ النواب، لكنْ ليس كسلطةٍ تشريعية، بل بوصفه السلطة التأسيسية المتفرعة التي يَحِقُّ لها تعديلُ الدستور وفقًا لشروطٍ تختلف _لجهة النِّصاب والتصويت واقتـراح التعديل_ عن الشروط المفروضة من أجل إقرار وتعديل القوانين العادية. فلو كان من المُمكن أنْ يقوم مجلسُ النواب وفقًا لصلاحياته التشريعية العادية بتفسير الدستور ــ لَكان ذلك يعني أنه يستطيع تفسيـرَه بغالبيةٍ عادية ونصابٍ عاديٍّ دون احترامِ الشروط المُشدَّدة التي يَفرضها الدستور من أجل تعديله، ما يخلُّ بـمَبدأ سموِّ الدستور الذي يُعتبر حجرَ الزاوية في كُلِّ النظام القانونيِّ القائم في لبنان. لقد منح الدستور في المادة ١٩ منه صلاحيةَ مراقبةِ دستوريةِ القوانين للمجلس الدستوريّ، ما يعني أنه منحَه _حُكـمًا_ صلاحيةَ تفسيرِ الدستور في معرض رقابته، حتى لو تمَّ شطبُ هذه العبارة سنة ١٩٩٠. وهذا يعني أنَّ المجلسَ الدستوري هو الجهةُ المُخولة لـتَقديم التفسير الأصليِّ للدستور. علمًا أنَّ هذا التفسيرَ ليس صلاحيةً اعتباطيةً، كون المجلس الدستوري مُلـزَم أولًا بتَعليل قراراته، والأهم ثانيًا أنَّ تلك الرقابة لا يمكن ممارستها إلا على القوانين، بينما كل الأعمال الأخرى التي تَصدر عن السلطات الدستورية لا تخضع لرقابته، ما يجعل كل تطبيقٍ للدستور لا يصدر بقانونٍ صريحٍ خارج عن صلاحية المجلس الدستوري. وهنا أيضًا تتجلَّى بوضوحٍ نظريةُ التفسير الأصلي، فلو فرضنا أنَّ مجلسَ النواب قرَّر تفسير الدستور، لكنْ ليس فقط عبر مجرد نقاشٍ عامٍّ في مجلس النواب، بل أيضًا من خلال إقرار قانونٍ يَفرض تفسيرًا مُعيَّـنًا للدستور، فإنَّ هذا القانون يمكن الطعن به أمام المجلس الدستوريِّ الذي سيَـتولَّى حينها «تفسير التفسير»، أيْ مراقبة كون هذا القانون مخالف للدستور أم لا. وفي الجلسة ذاتها التي تمَّ فيها إقرار تعديلاتِ اتِّـفاق الطائف، صرَّح أكثر من نائبٍ أنَّ تفسيرَ الدستور يجب أنْ يتم بقانونٍ دستوريّ، كاعتبارِ وزيرِ العدل «أنَّ كلمةَ تفسير الدستور هي كلمةٌ تِـقـنية تفرض أنْ يكون هناك قانون دستوريّ». وأيضًا أعلنَ النائب ألبيـر منصور التالي: «إما أن يكونَ تفسير الدستور له أصولٌ خاصة كتعديل الدستور ويعود هذا الأمرُ للمجلس النيابي، وإما أنْ يكون تفسير الدستور أمرًا عاديًّا كقانونٍ عادي، عندها للمجلس الدستوري حقُّ مراقبة هذا التفسير». إنَّ اعتـبارَ مجلس النواب بغالبيته العادية الجهة المُخولة بتفسير الدستور له نتائـجُ خطيرةٌ جدًّا، كونه يَسمح لغالبية الحضور بـتقديم تفسيراتٍ تختـلف وفقًا لـتقلُّبِ المصالح والأهواء، بحيث يُصبح الدستور خاضعًا كُـليًّا لنظام التوافق السياسي القائم في لبنان، ما يُجرِّده من حَصانته الفِعلية ويُعزِّز سلطةَ الطبقة الحاكمة. من هنا كان هذا العمل المتواضع الذي لا يَهدف إلى تـقديم تفسيرٍ شامل لكُلِّ مواد الدستور اللبناني، بل يَسعى إلى شرح أهمِّ هذه المواد وفقًا للمعايير التالية: • كيف تتجسَّد نظرية النـظام البرلماني في أبرز موادِّ الدستور اللبناني؟ • ما هي الإشكالية الدستورية الأساسية التي تَطرحها كلُّ مادةٍ من هذه الموادّ؟ • ما هو السِّياق التاريخي الذي يَسمح بـفَهم هذه الموادِّ عند تَبـنِّيها، وكيف تطوَّر هذا الفهمُ وفقًا لـتطور الحياة الدستورية في لبنان؟ إنَّ هذه المعايير تُحاول قدرَ المستطاع التوفيقَ بين مختلف مدارس التفسير. فمدرسةُ التفسير التقليديِّ (école exégetique) تَعتبـر أنَّ فقهَ النصِّ يقوم على معرفة نية المُشترع المباشرة، من خلال مقارنة النصِّ مع نصوصٍ أخرى شبيهة، أو عبر مراجعة الأعمال التحضيرية أو المَحاضر التي جرى خلالها مناقشة وإقرار النصِّ المعنِـيّ. لكنَّ هذه المدرسةَ التقليدية في التفسير تُعاني من مشكـلتين أساسيتين: الأولى نظرية، تتعـلق بنظريةِ القانون كما صاغَها «كلسن» والتي تَعتبر أنَّ النصَّ القانوني فور إقراره يَنـفصل تمامًا عن إرادة الجهة التي تولَّتْ إقرارَه، أيْ أنَّ معرفةَ نية المُشترع قد تكون مفيدةً لكنها في مطلق الأحوال غير مُلزِمة. أما المشكلة الثانية فهي عملية، إذْ قد يكون النصُّ أُقِـرَّ منذ زمنٍ بعيد تختلف ظروفه وأحكامه عن الزمن الراهن، ما يعني أنَّ نيةَ المشترع لم تعدْ صالحةً ولا يمكن بالتالي تَعميمُها واتِّـخاذها قاعدةً دائمةً للعمل. لذلك ظهرتِ المدارسُ الحديثة للتفسير والتي تَعتـقد أنَّ كُنَهَ النصِّ يحتاج إلى معرفة الغاية التي من أجلها تمَّ وضعه. فالمدرسة الغائِـيَّة، تَعتبـر أنَّ «مقاصد» النصِّ هي التي تُحدِّد تفسيرَه عبر التوفيق بين النصِّ والواقع الاجتماعي المُتـبدِّل دائمًا عبر العصور. فدور التفسير لا يَنحصر بمعرفة نية المُشترع حينها، بل بمحاولة تحديد نية المشترع لو كان عليه أن يُقِـرَّ النصَّ اليوم في واقعنا التاريخي الاجتماعي الراهن. وهذا أساسًا ما ذهب إليه «جيني» (Gény) الذي اعتبـرَ أنَّ التفسير يجب أنْ يعكس حاجاتِ المجتمع دون التقـيُّدِ الحرفيِّ بالنص، وذلك كي يظل القانون شيئًا حيًّا يتفاعل مع الواقع. جرَّاء ما تـقدَّم، سيُحاول هذا العملُ جاهدًا تحريرَ موادِّ الدستور من تفسيراتِ فقهاء السلطان الذين يَدورون في فلك السلطة السياسية، كما سيَعمِدُ إلى تقديم معلوماتٍ جديدة ومقاربات غير مألوفة تُـغني النصَّ الدستوري ــ ما سيَسمح له بالانعـتاق من راهنية اللحظة السياسية كي يُعانِـق رَحابة الفضاء الفكري، الأمر الذي يتيح له أن يؤدي مهمته الفعلية بالدفاع عن المجتمع وحقوق المواطنين، وليس تعزيز الممارسات السلطوية للنظام الحاكم.




