منذ العام 2007 باشرت أمم للتوثيق والأبحاث مشروعاً قوامه تجميع صور أكبر عدد ممكن من المفقودين خلال «الحرب» ــ بصرف النظر عن الجنس والعمر والطائفة والجنسية والجهات المتهمة بالخطف. في نيسان 2008 كان أول إشهار لما تجمّع لدى أمم من صور على هيئة «معرض» في قصر الأونيسكو ببيروت تحت عنوان «... ولم يعودوا». بعد بيروت حطّ المعرض رحاله في عدد من المناطق اللبنانية، وفي العالم 2010 نشرت أمم حصادها، (الناقص حتماً)، من الصور في كتاب حمل العنوان نفسه: «... ولم يعودوا».
باستنكار، لعله أن يبدو لنا أقرب إلى السذاجة منه إلى أي شيء آخر، طالعت إحدى الصحف اللبنانية الصادرة في تموز من العام 1975 قراءها، على صدر صفحتها الأولى، بالعنوان التالي: «صمت رسمي حول مصير المخطوفين ــ عدد المفقودين يتجاوز الثلاثين؟». أما السذاجة، أو ما قد نفترضه سذاجة، في العنوان المذكور فمزدوج: استهجان الصحيفة الصمت الرسمي، (وكأنه ليس القاعدة بل الاستثناء)، واستفظاعها بلوغ عدد المفقودين الثلاثين، (وكأن 30 مفقوداً أمر يستحق التوقف عنده!).

لنا، اليوم، نحن مخضرمي الحرب، البالغين سن اليأس من كل ما يتصل بـ«الرسمي» بصلة، المتآلفين مع احتمال أن يكون عدد المفقودين خلال الحرب 17000، ــ لنا أن نحمل الأمر على المحمل الذي نشاء ولكن، نظير ذلك، علينا أن نتذكر أن «الحرب» أيامذاك، أقله في وجدان اللبنانيين، لم تكن قد بدأت بعد... كان اللبنانيون، أيامها، يمنّون النفس بأن ما يشهده بلدهم لا يعدو أن يكون مسلسلاً من «الأحداث» العابرة.

وما كان يسري على «الوضع» في عمومه كان يسري أيضاً على تفاصيله، ومنها «الفقد» نتيجة «الخطف». من ثم، على سبيل المثال، «النفحة البشرية» (الساذجة؟) التي تطالعنا في بعض الإعلانات التي كان ينشرها أهالي «المفقودين»: فـ «
سعد الدين حسين الحجار يعمل سائقاً. متزوج منذ عام ويسكن في طرابلس. صباح 8 تموز (1975) تناول فطوره مع والدته في مسكنها في الطريق الجديدة ثم اتجه الى بيته ولم يعد. يرجى ممن يعرف عنه شيئا الاتصال بمقهى أبو حتي. التلفون... »، أما ساركون يونان (22 عاماً) فـ«غادر منزله منذ أيام وتوجه إلى صبرا لتفقد سيارته المعطلة. يرجى ممن يعرف عنه شيئاً الاتصال بالرقم... ». وهي النفحة إياها التي تطالعنا في نداءات أهليهم إلى خاطفيهم المحتملين: فـ سلوى شامية لا تملك سوى أن تكرر رجاءها «لمن لديهم ولدِي عادل شامية ان يعيدوه إلي وأرجو الله ألا تلتهب قلوب أمهاتهم كما اشتعل قلبي كأم. باسم أعياد السلام والمحبة والتضحية أتوسل اليكم إعادة ولدي عادل». أما فرسان زيدان دياب والد جليل دياب «الذي فقد في 2 حزيران الماضي قرب مفرزة سير بعبدا في بولفار كميل شمعون» فـ «وجه نداء لإعادة ولده المخطوف قائلاً إنه من زمان لم يتسنّ له رؤيته، وهو يهيب بالذين يعرفون عن مصير نجله شيئاً إعادته والاتصال به في مخيم ضبيه حيث يقيم منذ نزوحه من فلسطين». وهي هي في رسائل الشكر (المفتوحة) التي كان يوجهها بعض المُفرج عنهم إلى خاطفيهم أو المتدخلين للإفراج عنهم: «على وجه المسلحين الذين خطفوني قرأت عمق المأساة الصامتة التي يعيشونها، ورأيت في بريق عيونهم صدقاً وحزناً. أرادوا بخطفي إنقاذ اخوة لهم مخطوفين، وشهدت منهم معاملة الأخ لأخيه وإكرام الصديق لصديقه. فإلى هؤلاء وإلى قيادة أمن الثورة أتوجه بشكري، متمنياً لو يتفهم كل الفرقاء حقيقة صراعهم، عندئذ ستنتصر المحبة على الحقد ويعود السلام إلى ربوعنا المحترقة».

من ذا الذي يصدق اليوم أن «الخطف»، أيامذاك، كان «أهلياً» و«عاطفياً» إلى هذا الحد؟! إلى حد يكاد المرء أن يحن إليه ويشتاق؟ بالطبع نبالغ... فـ"الخطف" لم يكن في يوم من الأيام، وليس له أن يكون، مسألة تحتمل النظر أو الاجتهاد ولكنها مبالغة قد تُعين على مقاربة هذا «الملف» من ملفات «الحرب» بعين في نظرتها إليه من الحدة والقساوة والواقعية أكثر مما في الاستنكار الأخلاقي المجرد.

كذلك، ليس من قبيل الصدفة أن يُقدّم هذا القسم من أقسام ديوان الذاكرة اللبنانية، حتى إخراجياً، على ما سواه، والداعي إلى ذلك لا يحتاج إلى مزيد بيان. فمن كل «ملفات الحرب» يبقى «ملف المفقودين» الأعصى على الطي، والناقوس الذي يدق في آذان اللبنانيين عموماً، وآذان الطبقة السياسية، لا سيما من أعيانها مَن بيّض قانون العفو العام سجلاتهم العدلية، ترنيمة الذنب والمسؤولية عمّا كان.

ذنب ومسؤولية برسم المراجعة... فبمقدار ما تقدم فريق أمم للتوثيق والأبحاث في سعيه إلى تجميع المادة التوثيقية الخاصة بهذا القسم، بمقدار ما كان يتبدّى من مطالعة هذه المادة أن «الخطف»، لا سيما خلال «الحرب»، تطوّر على أيدي مختلف الفرقاء إلى ما يشبه «العمل المؤسساتي». ولعل تأكيد هذا الانطباع وتثبيته بالأدلة يمدّ المطالبين بجلاء «الحقيقة» حول مصير المفقودين بحجج إضافية في دعواهم هذه.

بالطبع، لم تقف حدود الخطف عند حدود لبنان، ولا اقتصرت المسؤولية، أو تقتصر، على المشاركين اللبنانيين في الحرب، ومن ثم ما يحوط به، كـ «ملف»، من التباس وتعقيد لا يدّعي هذا الجهد التوثيقي، اليوم، أنه يستغرقهما.

غاية هذا الجهد التوثيقي، حتى ناقصاً كما هو اليوم، أن يساعد من يعنيهم الأمر، وفي قناعتنا أنه أمر يعني كل اللبنانيين، على تصويب مقاربتهم له... فوحده هذا التصويب يمكن أن يرتقي بمسألة المفقودين من اعتبارها «ملفاً» إلى مصاف «القضية الوطنية»...

 

 
جمعية لبنانية تقف جهدها، سواء من خلال مشاريعها البحثية المتخصصة، أو من خلال نشاطاتها الثقافية، على التملي، وعلى الدعوة إلى التملي، من الذاكرة اللبنانية في شتى وجوهها وتعبيرانها، لا سيما الخلافية منها.
Powered by Multiframes
قاعدة بيانات إلكترونية، متوفرة حالياً باللغة العربية فقط، تسعى إلى إحصاء موجودات جمعية أمم للتوثيق والأبحاث من الوثائق، (الورقية والإلكترونية وسواها)، تيسيراً لوضعها بمتناول ذوي الاهتمام والإفادة منها.
an umam d&r project | مشروع بتوقيع أمم للتوثيق والأبحاث