كلُّنا للوَطَن
 

     

 ... ولا بأسَ أحيانًا من تَكرار النّافل ومن تأكيد المُؤَكَّد: مَرَّ على مُؤَسَّساتِ لُبنانَ العَسْكريَّةِ والأمنِيَّةِ خلالَ العقودِ الماضِيَةِ ما مَرَّ على مُؤسَّساتِ لبنانَ الأُخرى مِن أيّام مَشحونَةٍ بالوقائِعِ والعِبَر؛  ومن آياتِ هذه المُلاحَظَةِ التي لا تَحْتاجُ إلى دَليل ــ في عِدادِ شَواهِدَ أْخرى ــ ما يَطَّرِدُ نَشرُهُ مِنْ مُذَكَّراتٍ تَحْمِلُ تُواقيعَ عَسْكَرِيّين مُخَضرَمينَ شَهِدوا، على غِرارِ سِواهُم، وإنَّما مِنْ مواقِعِ المَسْؤوليّاتِ العَسْكَرِيَّةِ والأمْنِيَّةِ التي تَقَلَّدوها، على هذه المَرْحَلَةِ أو تِلكَ مِنْ تاريخِ لبنانَ الحديث. 

وإذْ نَسْتَشْهِدُ بهذِهِ المُذَكِّراتِ دون سِواها من الأدَبِيّاتِ ذاتِ الصِّلَةِ بالمَوْضوع، فَلَيْسَ تَطفيفًا مِنْ قَدْرِ تِلكَ الأدَبِيّاتِ، وإنَّما تأكيدًا على أنَّ تاريخًا لِمؤسَّساتِ لَبنانَ العَسْكَرِيَّةِ والأمنِيَّة، خارِجَ التّاريخِ المؤسَّساتي، هُوَ، لِسُرورِ البَعْضِ، ولامْتِعاضِ بَعْضٍ آخَرَ، قَيْدُ التَّدوينِ والإنشاء. فالتّاريخُ المؤسَّساتيُّ، بما يُبْرِزُهُ كُلَّما اسْتُكْتِبَ، وبما يُغْفِّلُهُ، هو تَبَعٌ لغرضيَّةٍ سياسيَّةٍ ما ــ ولا مَأخَذَ على هذه الغَرَضِيَّةِ يُؤْخَذ... فالأيّامُ، على ما يُقالُ دُوَلٌ، والغَرَضِيَّةُ سُنَّةُ المُؤَسَّساتِ، عند عُبورِها مِنْ «دَوْلَةٍ» إلى أُخرى، في التَّأريخِ لَنَفْسِها، وفي تَعْليلِ ما يَدْخُلُ على عَقائِدِها من تَبْديل. 

 

ما كُنّا لِنَحْتاجَ إلى هذِه المُلاحظاتِ الغَنِيَّةِ عن البَيانِ، لَوْ تَعَلَّقَ الأمْرُ بِغَيْرِ المُؤَسَّساتِ العَسْكَريَّةِ والأمْنِيَّةِ؛ ولَكِنْ يَتَّفِقُ، ــ وَلَوْ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصُّدَفِ، ولا مِنَ الاتَّفاقِ، في شَيءٍ على الإطلاق، بَل مِنْ علاماتِ السَّاعَةِ اللبنانيَّة ــ أنَّ أيَّ كلامٍ (مَوْضوعِيٍّ) على هذه المُؤَسَّساتِ، سُداهُ ــ أنْ يُنظرَ إليها بِوَصفِها مُؤَسَّساتٍ، وَلُحْمَتُهُ، مُثيرٌ للرِّيبة ــ إن لم يَكُنْ في مَضْمونِهِ ففي تَوْقيتِهِ.

والحَّقُّ يُقالُ إنَّ لُبنانَ، على اخْتلافِ دُوَلِهِ، (بالمعنى المُشارِ إليه أعلاه لِكَلِمَةِ دَوْلة)، لَيْسَ بِدْعًا في هذا ولا نَسيجَ وَحْدِه وإن كانَ مَنْسوبُ الرِّيبَة فيه يُجاوِزُ الحَدَّ أحيانًا... بَل قَلَّ مِنْ بَلَدٍ يَسْتَسيغُ هذا القَبيلِ من المُراجَعَةِ، فَكَيْفَ بَبَلَدٍ تَنْزِلُ مِنْهُ «الظروفُ الاستثنائيَّةُ» مَنْزِلَةَ الظُّروفِ في المُطلَق؟  

وعلى غِرارِ ما إنَّ لُبنانَ لَيْسَ بِدْعًا في تَحَرُّجِهِ مِنْ هذا القَبيلِ مِنَ المُراجَعَةِ، فأمُم للتَّوثيق والأبحاث لا تأتي بِدْعًا في دَعوَتِها إلى المُباشَرَةِ بِوَضْعِ تاريخٍ مُواطِنِيٍّ لِمُؤَسَّساتِ لُبنانَ العسكريَّةِ والأمْنِيَّة. فَهَذِهِ الدَّعْوَةُ، إنَّما تُتابِعُ، وتَسْتَكْمِلُ، سَعْيًا بَدَأتْهُ أُممُ لِسنينَ خَلَتْ وتَصَدَّتْ تَحتَ عناوينِهِ، وفي الطَّليعةِ مِنْها أنَّ الماضي لا يُطْوى بقانونٍ، ولا يَسْقُطُ بِمرورِ الزَّمَنِ، بَلْ لا يَمْضي إلّا مَجازًا على معنى التَّخْفيفِ، ما أمكَنَ، مِن استيلائِهِ، المُقَنَّعِ أو الصَّريح، على الحاضر ــ تَصَدَّت لِجُمْلَةٍ مِنَ القَضايا التي لا يَخْلو البَعْضُ منها، بِحُكْمِ طبيعَتِها لا بِحُكْمِ التَّصَدّي لها، أنْ يَكونَ خِلافيًّا. 

مُواصَلَةً لهذا السَّعْي، شَرَعَتْ أُمم بهذا المشروع  «كُلُّنا للوطن ــ في سبيلِ تاريخٍ مُواطِنِيٍّ لمؤسساتِ لبنان العسكريَّةِ والأمنيَّة». مِنْ ثَمَّ، فَلا غَرْوَ ألّا يَخْرُجَ هذا المَشروعُ لا في الشَّكْلِ ولا في المَضْمونِ عن الخِطَّةِ التَّوْثيقيَّةِ البّحثيَّةِ التي اخْتَطَّتها أمم لِنَفْسِها بِمُناسَبَةِ مَشاريعَ سابِقَةٍ والتي تُتَرْجِمُ عَنْها مَنْشوراتُ أُمم، الورقيَّةُ منها والفيلميَّةُ والإلكترونيَّة.