بِكثيرٍ مِنَ اللامُبالاةِ احْتفلَ اللبنانيّونَ واللبنانيّاتِ عامَ 2015 بذكرى مرورِ أربعينَ عامًا بالتّمامِ والكمالِ على اليومِ الّذي شاءَت الصُّدَفُ أن يُؤَرَّخَ بهِ لاندلاعِ «الحربِ الأهليَّةِ»: 13 نيسان 1975. والحالُ أنَّ هذه الذكرى لَيستِ الذّكرى العَشْريَّةَ أو الخَمْسيَّةَ الوَحيدةَ التي عَمَرَ بها 2015، ومَرَّ بِها اللبنانيّونَ مرورَ الكرامِ، أو ما يُشْبِهُ أن يكونَ مٌرورَ كرام.
 
فَلَقد أَمْكَنَهُم، لَوْ شاؤوا، أن يَحتفلوا بالذّكرى الثلاثمائةِ بعد الثَّمانينَ على إعدامِ الأميرِ فخر الدين المعنيّ الثاني، الجدِّ الأعلى لـ«الكيانِ اللبناني» (13 نيسان 1635)، أو بالذّكرى الثلاثينَ على «الاتّفاق الثلاثيِّ» (1985)، أو الذّكرى الخامسةِ والعشرينَ على اتّفاق الطائف (1990)، أو سِواها من المناسباتِ الّتي حَكَمتْ، قليلًا أو كثيرًا، على تاريخِ هذا البَلَد.
 
بصرفِ النَظَرِ عمّا أدّى باللبنانيّينَ إلى هذه اللامبالاةِ ـــ عِلمًا أنَّ السِّجالَ الذي شَغَلهُم عن تِلكَ الذّكرى، وكانَ مَدارُهُ على المِحْنَةِ الأرمنيّة التي اتّفقَ أنَّ أصْحابَها كانوا يَحتفلونَ بِذكراها المئويّةِ، يَسْتحقُّ التوقّف عندهُ، والتملّي منه ـــ نقول: بِصَرْف النّظَرِ عمّا أدّى باللبنانيّينَ في 2015 إلى اللامبالاةِ بالذّكرى الأربعينَ على اندلاعِ «الحربِ»، فإنّ غَفْلَتَهُم تلكَ قابلةٌ للاستدراكِ ولو بعد عام.
 
فالعامُ التّالي على اندلاعِ الحربِ، 1976، شَهِدَ أوَّلَ مُحاولةٍ تَستحقُّ الوصْفَ بـ«الجديَّة» لـ«إنهاءِ» تلك «الحرب»؛ وإنْ يَسْتولي النسيانُ، وهو نسيانٌ مفهومٌ للوَهْلَةِ الأولى، على هذه المُحاولة، فإنَّ حَقّها مِنَ الذِّكرِ ومِنَ الاستذكارِ، وحقَّ محاولاتٍ أخرى، لا يتدنَّى عن حقِّ «الحرب» في ذلك.   
 
صحيحٌ أنَّ هذه المحاولةَ لم تَبُؤْ بالفشلِ فَقَط ـــ بشهادةِ ما تلاها من حُروبٍ وبشهادةِ ما تَلاها من مِحاولاتٍ لـ«إنهاءِ الحرب»، وصَحيحٌ أيضًا أنَّ البعضَ يؤرِّخُ بهذه المحاولةِ لبدايةِ الحضورِ السّوري العسكريّ والأمنيّ والسياسيّ المَرْعي عربيًّا ودوليًّا في لبنان ـــ وهو الحضور الذي لم ينتهِ رسميًّا وكليًّا إلّا عام 2005 ـــ ولكن صحيحٌ أيضًا أنَّ 1976 هي السَّنَةُ التي «انتهت» فيها «حربُ السَّنَتَيْن»!
 
انتهت «حربُ السَّنَتَيْن» ولم تنتهِ «الحربُ»، ومَعَها لمْ تنتهِ مُحاولاتُ إنهائها. فكانَ الاجتياحُ الإسرائيليُّ عام 1982، وكانت محاولةٌ ثانيةٌ فاشلةٌ لـ«إنهاءِ الحرب»، ثمَّ كانت محاولةٌ ثالثةٌ، فاشلةٌ أيضًا، مع «الاتّفاقِ الثلاثي»، ثمَّ كانَ الطائف و«أنهى» الحَرْبَ، أو قُلْ أنْهاها، ودَشَّنَ، في ظلِّ «وصايةٍ سوريّة» حَظِيَتْ طيلةَ عَقْدٍ ونيّف بالرضى الإقليميِّ والدولي، مرحلةً جديدة ـــ مرحلةَ الشّراكة بينَ «إعادةِ الإعمار» و«المقاومة».
 
لم تَخلُ هذهِ المرحلةُ من حروبٍ «خارجيّة»، ولا خَلَتْ من اضطراباتٍ داخليّة، غير أنّها أفْلَحَتْ في عبورِ هذه الحروبِ وهذه الاضطرابات إلى أن «انْتَهَت»، بدورها، بمَصْرَعِ أحدِ رسولَيها ـــ رَسولِ «إعادةِ الإعمار» ـــ وَوَلَجَ لبنانُ السّاعَةَ التي نحنُ فيها، وهيَ ساعةٌ، وإنْ لم تنقضِ دقائقها بعدُ، انْجذَبَ لبنانُ معها، مرّة جديدة، إلى تجارِبَ من العُنْفِ دَعَتْ في إحدى لحظاتِها القُصوى إلى تدخُّلَ المُصْلحين بين أطرافِ النزاعِ اللبناني، وإلى عقدِ مؤتمرِ حوارٍ وطنيٍّ برعايةٍ إقليميّة ودوليّة (مؤتمر الدَّوحة)...
لا تَعْدُ المَحَطّاتُ المذكورةُ أعلاه أن تكونَ الأبْرَزَ بين محاولاتٍ كثيرةٍ بُذلت لـ«إنهاءِ الحرب»، على أنَّ الجامِعَ بينها، وهي محاولاتٌ نَشَطَتْ في سبيلِ إنْجاحِها دُوَلٌ قريبةٌ وبعيدةٌ، كبيرةٌ وصغيرة، وبَيْنَ كُلِّ المحاولاتِ الأخرى، بما فيها المحليَّة منها التي يكادُ النسيان أنْ يطويها، ـــ نقول: على أنَّ الجامِعَ بينها أنّ هذه كما تلك، لَمْ تَمْلِكْ، كائنًا مَنْ كانَ رُعاتُها، أن تَقْفِزَ فوقَ المواضيعِ الخِلافيَّةِ، أو المعدودة خِلافيَّة، بين اللبنانيِّين، ولم تَمْلِكْ إلّا أن تقترح لها حلولًا، (أو تسوياتٍ موقّتة).
 
بيت القصيد أن المُرَجِّحاتِ «الخارجيّةَ»، مهما بَلَغَتْ من التأثيرِ سلبًا أو إيجابًا، (سلبًا حَدَّ التَّسَبُّبِ بانفجارِ النزاعاتِ الداخلية، وإيجابًا حَدَّ التَّمُكُّنْ مِنْ احتواءِ هذه النزاعات)، إنّما تبني على مُفْرداتٍ مَحَليَّة؛ )ولعلَّ استمرارَ هذه المفردةِ أو تلك من المُفرداتِ في التَّداول السِّجالي، أو خروجَها منه، على معنى «التّقادم» أو على معنى «التَّغْييب» المقصود، أنْ يَصْلُح مؤشِّرًا على أحوالِ نِزاعٍ من النزاعات(.
 
وفي أيَّةِ حالٍ فإنَّ للبنانيِّين في عَدَدٍ مِنَ المُفْرداتِ التي تَعْبُرُ تاريخَهم مِمّا قَبْلِ نَيْلِ بلدِهِم استقلالّه إلى يَوْمِنا الحاضر (الطائفية، العروبة، العلاقة بسوريا...) شاهِدًا على ما تَقَدَّم، وشاهدًا على أنَّ «إنهاء الحرب» لا يُقاسُ فَقَطْ بما يَمُرَّ به بَلَدٌ مِنَ البُلْدانِ مِنْ فَتَراتِ «سلام» بل بما يَتَقَدَّمُهُ النِّقاشُ بشأنِ هذه المفردات ـــ لا سِيّما الخلافِيَّةَ منها.        
في إطارِ المشروعِ العَريض الذي بَدأته أممُ للتّوثيق والأبحاث من أوّل انطلاقتها لنحوِ عشْرِ سنواتٍ خَلَتْ، والذي تَرْجَمَتْ عنهُ سِلسلةٌ من المبادراتِ التوثيقيّةِ والبحثيّة والفنيّة التي حَمَلتْ توقيعها، وانطلاقًا من المُلاحَظَةِ المُلاحَظَةِ بأنَّ أيّ حربٍ، «كبيرةٍ» أم «صغيرةٍ»، تحملُ في أحشائِها مُقَدّماتِ إنهائها، كانتْ هذِه المبادرةُ، «السّلام عليكم ــ حروبُ لبنانَ في محاولاتِ إنهائها»، التي يُغني عنوانُها عن الاستفاضةِ في بيانِها، والتي تنفّذها أمم بدعمٍ من وزارة الخارجيّة السويسرية.
 
على غِرارِ مُبادراتٍ أخرى تَصَدّت لها أمم للتّوثيق والأبحاث، تَجمَعُ هذه المبادرةُ العملَ التوثيقيَّ/البحثيَّ إلى السَّعي إلى توسيعِ دائرة النقاشِ اللبنانيِّ في مصائِرِ هذا البلد حربًا وسِلمًا، وفي علاقةِ مكوّناتهِ بعضها ببعض، كما في علاقاتِ لُبنان بجوارِهِ القريبِ والبعيدِ، ماضيًا وحاضرًا، ومستقبلًا بالطّبع...

 
جمعية لبنانية تقف جهدها، سواء من خلال مشاريعها البحثية المتخصصة، أو من خلال نشاطاتها الثقافية، على التملي، وعلى الدعوة إلى التملي، من الذاكرة اللبنانية في شتى وجوهها وتعبيرانها، لا سيما الخلافية منها.
Powered by Multiframes
قاعدة بيانات إلكترونية، متوفرة حالياً باللغة العربية فقط، تسعى إلى إحصاء موجودات جمعية أمم للتوثيق والأبحاث من الوثائق، (الورقية والإلكترونية وسواها)، تيسيراً لوضعها بمتناول ذوي الاهتمام والإفادة منها.
an umam d&r project | مشروع بتوقيع أمم للتوثيق والأبحاث