عدالة الميدان
ملفات تستحق الذكر
 

لا يكادُ يومٌ يَمْضي، بل لا يَمْضي يومٌ، من غير أنْ تَحْمِلَ وَسائِلُ الإعلامِ ‏إلى اللبنانيّين واللبنانيّات أخبارًا مِنْ قَبيلِ أنَّ مفوّض الحكومة لدى ‏المحكمة العسكريّة قد ادّعى على زيد من الناس، أو أنَّ المحكمة ‏العسكريّة قد حَكَمَتْ على عمرو منهم، أو أنَّ محكمة التمييز العسكريّة ‏قد وافقت على إخلاء سبيل سعيد؛ وهكذا حتّى ليُمْكِن القولُ، دون ‏مبالغة، إِنَّ «المحكمة العسكريّة» باتت تَتَبَوّأ محلًا مركزيًّا من فَضائِنا ‏القضائي.‏

ومتى ما سلّم المرء بالمسلّم، أي متى ما سلّم بأنّ القضاء ــ ‏المؤسّسة المُولجة بإنتاج العدالة ــ هو إحدى المؤسسات التي بيدها ‏أن تنظّم اجتماع اللبنانيّين وحياتهم، لن يخلو من التساؤل عمّا يؤدّي ‏إلى أن تتوسَّع ولاية «القضاء العسكري»، وعمّا يعنيه هذا التوسُّع وعمّا ‏يترتّب عليه من مفاعيل على اجتماع اللبنانيّين وحياتهم.‏

ويزيد من إلحاح كلّ هذه الأسئلة أن الكثير من أعمالِ «القضاء ‏العسكريّ» على صِلَةٍ بما يشهده لبنان من اضطرابات يرتفع نَسَبُها إلى ‏انقسامات اللبنانيّين السّياسيّة والطائفيّة وما يَرْفدها من مُعَزِّزاتٍ ‏خارجيّة حتى تكاد تلك الأعمال أنْ تَنْزِل من تَصَوّرنا المواطنيّ ‏لـ«العدالة» مَنْزِلَةَ العدالة نفسها، في حين أنَّ الأدنى إلى «طبيعة ‏الأمور»، في بلد يُعَرِّفُ نَفْسَه، بموجب دستوره، على أنّه «عضوٌ ‏مؤسِّسٌ وعاملَ في منظمة الأمم المتّحدة ومُلتزمٌ مواثيقها والإعلان ‏العالمي لحقوق الإنسان» هو أن يتّخذ القضاءُ العسكريُّ لنفسه، في ‏أحسن الأحوال، محلًا قَصِيًّا باعتباره «الاستثناء» لا «القاعدة».‏

على خلفية من هذه الأسئلة، ومن هذه الهواجس، ومتابعة لسعيها ‏إلى إيلاء مزيد عنايةٍ بـ«الحسابات اللبنانيّة الجارية»، إلى جانب مُتابعة ‏عملها على «حسابات التوفير» ذات الصلة بالتاريخ اللبنانيّ القريب، لا ‏سيّما ذات الصَلَةِ بـ«الحرب»، كان أن ذَهَبَت «أمم للتوثيق والأبحاث»، بالتعاون مع عدد آخر من ‏مؤسّسات المجتمع المدنيّ اللبنانيّ، خريف عام 2013، بدعم من ‏الاتحاد الأوروبيّ، إلى إطلاق مشروع تحت عنوان «كُلّنا برسم القضاء ‏العسكريّ؟ قانون القضاء العسكريّ بين "هيبة الدولة" و"دولة القانون"».‏

وعلى ما يُفيد هذا العنوان فإن القَصْدَ من هذا المشروع لم يكن ‏التصدّي لموضوع القضاء العسكريّ من وجهةِ تَقَدّمِ المُقاربة القانونيّة ‏الحقوقيّة ــ وهي في أيّة حال مُقاربة استفاضت أدبيّات، متخصّصة ‏وأخرى موجّهة للجمهور العريض، في تفصيلها وشَرْحها وبيانها ــ وإنّما ‏التصدّي له من وجهة نظرٍ مواطنيّة تحمل على محمل الجد السؤال ‏الساذج المركّب معًا: لماذا يستعلي «الاستثناء» في لبنان على الكثير ‏من مرافق الحياة اللبنانيّة ــ بما فيها «القضاء»؛ واستطرادًا: هل إن ‏استعلاء «الاستثناء» هو حقًا نتيجة «الظروف»، القصوى أحيانًا، التي مرّ ‏بها لبنان أم أن هذا الاستعلاء، والتصالح مع دوامه واستمراره، هو من ‏العوامل التي تُساهم في إنتاج تلك «الظروف» ــ بما فيها «القصوى» ‏منها («الحرب الأهلية» مثلًا)، واستطرادًا على الاستطراد:‏‎ ‎هل من ‏سبيل إلى الخروج من «الحرب» ــ «الحرب» بوصفها عنوان «الاستثناء» ‏بامتياز ومرضِعَتُه ــ بمزيد من الاستثناء وبمزيد من التصالح مع دوامه؟

بشهادة التجربة اللبنانيّة، وهي تجربة قصوى في تسيّد «الاستثناء» ‏على العديد من مرافق الحياة، بما فيها القضاء، وتجربة قصوى في التوسّل ‏بـ«الاستثناء» كطبًّ سحري لكلّ العلل والأدواء، فإنّ مؤدّى هذا التسيّد تأبيد ‏تجربةِ الفَشَلِ في الخروج من حالة «الحرب»، باردة أو حامية، والحكمُ ‏على لبنان واللبنانيّين حكمًا مُبرمًا بتكبّد المزيد من الأمر نفسه.‏

بالطبع ليس تَمَدُّدُ «القضاء العسكري» ــ بوصفه مرفقًا من مرافق الحياة ‏العامّة ــ الميدانَ الوحيدَ لهذا النقاش - ولكن التجربة اللبنانيّة إياها تُثبت ‏أيضًا أنّ توزيع إنتاج العدالة، لا سيّما في القضايا التي تتنفّس ‏‏«السياسة» بالمعنى الواسع للكلمة، على مرافق عدة، (القضاء ‏العدلي والمحكمة العسكرية والمجلس العدلي)، لا يقبل الدفاع عنه ‏تحت عنوان «توزيع المهام» لأنه أفضى، عمليًا، ويُفضي، إلى إنتاج ‏‏«عدالات» مُتفاوتة لا يستقيم مع تفاوتها ميزان.‏

على غرار مشاريع سابقة حَمَلَتْ توقيع أمم للتوثيق والأبحاث، هَدَفَ هذا ‏المشروع إلى الإحاطة بموضوعه من أطرافٍ ثلاثة: التوثيق والبحث ‏والتنوير الهادف إلى إحداث شيء من التأثير على النقاش الدائر في ‏شأن القضاء العسكريّ ومحلّه من الحياة السياسيّة والاجتماعيّة ‏والقضائيّة اللبنانيّة. وأما الجانبُ التوثيقيُّ من هذا المشروع فهذا الباب ‏من أبواب «ديوان الذاكرة اللبنانية» الذي يجمع ما يتيسّر من وثائق ‏مأتاها المصادر المفتوحة تتناول القضاء العسكريّ، والذي يبقى، كسواه ‏من أبواب هذا الموقع، في تيويمٍ مستمر...‏