اقتل... لا تقتل

 

 

أن يَسْلكَ المرءُ في سلكٍ واحد مفاهيم العفو والمحاسبة والرجوع عن الخطأ من طريق الاعتذار ــ أن يسلكها بهذا التسلسل ــ قولٌ، بحد ذاته، حمّالُ وجوه!
 
يتصدّر العفو هذا الباب من أبواب موقع إلكتروني يحاول، مبدئياً، أن «يوثق» لـ«الحرب»، (حرب الـ 75 ــ 90)، لأنَّ «العفو» في صلبها... بل يكاد المرء أن يذهب إلى أنه في صلبها ــ في صلب «الحرب» ــ من قبل أن تبدأ! فعلى ما يمكن الواحدَ منا أن يتحقق بنفسه من مطالعة النصوص المنشورة في هذا الباب ــ سواء منها ما تعلق بمنح عفو عام، أو عفو خاص، أو عفو قطاعي (المطبوعات، السير) ــ ليس تصويت مجلس النواب اللبناني يوم 27 آب 1991 على القانون 84 الرامي إلى «منح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 28 آذار 1991» بالأمر الخارج عن «مألوف لبناني» وعن سياق، لئلا نقول «تاريخ»، مديد من تَدَبّر «الخطأ» باعتباره أمراً يمكن «السكوت عنه» (بالمعنيين: الحرفي والمجازي!).

وإذ لا عيب من «العفو» في المطلق العام، (وحدّث ولا حرج عن تحسين العربية «الفطري» إياه في العديد من عباراتها المأثورة!)، فإن عيوبه لا تعد ولا تحصى عندما يُرفع إلى مقام «الدين» والديدن من دولة تعرف عن نفسها،
دستوراً، بـأنها «جمهورية ديمقراطية برلمانية (...) الشعب (فيها) مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية». فـ«السكوت عن» هو الضد تماماً مما يجب أن تكون عليه «أخلاق» جمهورية ديمقراطية إلى آخره، بل هو، بلغة الفارابي، من مضادات هكذا جمهورية، وهو كذلك لأن هذا القبيل من «السكوت» لا يكون إلا لمصلحة كلام آخر، وسلوك آخر، وفي ما نحن فيه، لا بد من الاعتراف بأن مؤدّى «السكوت عن» هو تنازل الجمهورية ومواطنيها عن سيادة القانون لسيادة شرائع أخرى، من عدادها شريعة الغاب!

في بلد يحل «العفو» من ثقافته (السياسية) محل «الثواب» على الخطأ لا محل الاستثناء الذي تسوق إليه قوة قاهرة، لا عجب أن يغلب الاطمئنان على «الخطأة»، حتى في عز خطئهم، ومن ثم، لا مبالغة في وصف «العفو»، أو بعضه على الأقل، بـ«القاتل»...

الحرب تقتل. العفو أيضاً. قد تبدو المساواة، في القتل، بين الحرب والعفو نابية ولكن كيف للمرء أن يصف عفواً يأخذ بيد الحرب إلى ساحاتها وميادينها إلا بـ«القاتل» أو أقله بـ«الشريك في القتل»؟ هو كذلك ولعل «العفو» الذي ارتضاه اللبنانيون مخرجاً من حروبهم، (بصرف النظر عن «عيار» هذه الحرب أو تلك)، ــ لعله أن يكون قد قتل منهم، بالروح و/أو بالدم، أكثر بكثير مما قتلت تلك الحروب...

هل يعقل أن يكون الأمر كذلك وألا يبادر اللبنانيون، أقله دفاعاً عن النفس، إلى مساءلة العفو وإلى استطلاع مذاهب أخرى من القول والعمل؟ لعلنا لا نغالي إن زعمنا أن اللبنانيين، اليوم، على هذا المحك، وإن زعمنا أن ما شهدناه من ذهاب بعض أعيانهم، خلال السنوات الماضية، ولو تحت الضرورة، إلى «الاعتراف» العلني، ولو الناقص الحذر المتردد، بما ارتكبت أيديهم وأيدي الجماعات التي (كانوا) يتولون إمرتها، إنما يشير، ولو بخجل، إلى «مزاج» لبناني من السأم (السياسي) لم يعد يكفي معه أن يعفو الله عما مضى... ــ «مزاج» وحدهم اللبنانيون يملكون أن يترجموه إلى «فعل سياسي».