بقايا الأيام

 

في أخبار يوم الخميس 11 آب 1977 التي ارتأى مصنفو وثائق الحرب اللبنانية لعام 1977 التوقف عندها وإيرادها، أن اللجنة التنفيذية لتجمع الشباب المستقل [سجّلت] علامات استفهام حول «انتشار ظاهرة النصب التذكارية لشهداء حرب السنتين»، وعددت انعكاساتها السلبية على مسيرة السلام.

لعل عديد التجمع المذكور لم يتجاوز واضع البيان المذكور؛ على أن قلة العديد هذه لا تقلل في شيء من فحوى الملاحظة موضوع البيان، (انتشار الأنصاب) ، بصرف النظر عن الموافقة أو المخالفة على ما تخلص إليه من استنتاجات. وفحوى الملاحظة أن صناعة التذكارات، أنصاباً منذورة للأبد، أو ملصقات طعم للشمس والمطر أو للتواري تحت ملصقات أخرى، رافقت صناعة الشهداء التي هي منتج ثانوي من منتجات «الحرب».

وإذ أمكن في 1977، غداة حرب السنتين، أن يتبنى المرء من «الحرب» موقفَ إدانةٍ أخلاقيةٍ ساذجاً، أو متساذجاً، فيرى في النصب المنصوبة لشهدائها أرحاماً تتكون فيها «انعكاسات سلبية على مسيرة السلام»، فأقل ما يقال في مثل هذا الموقف، اليوم، بعد نحو عقدين على «نهاية الحرب» ــ عقدين لم يخلوا من عدد من «الحروب الصغيرة» ولم يبخلا في «الشهداء» وفي «الأنصاب» ــ أقل ما يقال فيه أنه تغاض عمدي، واستطراداً واقع تحت حد الملامة، عن حقيقة أكثر مرارة مفادها أن ما بين «الأنصاب» و«الحرب»، (ولمن شاء «مسيرة السلام» باعتبارهما في هذا المقام سيّين)، أكثر من «انعكاسات سلبية»، وأن ما بين «الأنصاب» و«الحرب»، (في مضيها قدماً)، أوثق وألحم.

لأعوام قليلة خلت، 2008، شهد لبنان «حرباً (قصيرة) صغيرة» كانت «نموذجية» في عدد من وجوهها، لا سيما ما تخللها من ارتكابات عنيفة. في العاشر من أيار 2009، في الذكرى السنوية الأولى لإحدى فظائع هذه «الحرب الصغيرة»، قام أحد الأحزاب «اللبنانية» ــ وكان يمكن أن يكون أيّ حزب آخر ــ بإزاحة الستار عن نصب شاده في ساحة إحدى بلدات عكار تخليداً لذكرى «شهداء» له قضوا ضحية تلك «الفظيعة». لم يرفع النصب المذكور في أي مكان من ساحة البلدة تلك وإنما، على ما لا يفوت صحيفة الحزب أن تشير، «مقابل النصب التذكاري للوزير الراحل ح. ع». وعلى ما يحزر القارئ اللبيب، بلا عناء، فالوزير الراحل الذي شيد نصب «شهداء المجزرة» قبالة النصب التذكاري الذي يخلده كان من أعيان الحزب صاحب المبادرة، وتقديراً لما أبلاه في سبيل حزبه من أول انتمائه إليه، استحق أن يحيي حزبه ذكرى مرور أربعين يوماً على وفاته «بإقامة مهرجان تأبيني حاشد رسمي وشعبي وحزبي» اختتم بـإزاحة الستار عن النصب المذكور.

على ما تقدم، كان يمكن هذا الحزب أن يكون أيّ حزب آخر، موافق له في الأهداف أو مخالف عليه في العقيدة، ولكن يتفق أن ما يقوله هذا النصب، في إنشائه ونقشه ومحله، على ما قد يشوبُ إجراءَ فعل القول على الجماد من خفّة، جامعٌ لبلاغات شتى تُغري بالتوقف عندها وبالتملي منها.

ولعل أول ما يستوقف الفضول حداثة عهد النصب، والمقتلة التي يُخلد «شهداءها»! ولا بأس، بعد التأكد من صحة التاريخ المنقوش على النصب، من التساؤل بشيء من السذاجة: ولكن... أليس أن «الحرب» في لبنان ــ بين اللبنانيين أقله ــ قد انتهت؟ وأليس أن ذلك كان لنحو عشرين عاماً؟ بشهادة هذا النصب، وسواه، كلا، لم تنته... أو ليس تماماً... وإن سلّم المرء بأنها لم تنته (تماماً) فلزاماً عليه أن يردع نفسه عن استهجان حضور مفرداتها، واستطراداً وقوع هذه المفردات في دائرة السجال: هل إن ما حدث في حلبا يوم العاشر من أيار 2008 كان «مجزرة» أم...؟ هل يستقيم وصف هؤلاء الضحايا بـ«الشهداء» أم إن في الأمر ما يقال؟ من نافل القول أن لا إجماع على الجوابات عن هذه الأسئلة التي تفرخ.

يردّ النصبُ الجوابَ أحياناً، ويلزمُ الصمت أحياناً أخرى، ولكن صمته و/أو الجواب لا يغيران من واقع الحال شيئاً. وواقع الحال أن هذه الأسئلة «لبنانية» بامتياز، سواء استثارها نصب منيف مشيد في أرقى أحياء العاصمة يخلد ذكرى كبير من الكبراء، أو نصب متواضع في قرية نائية يحاول أن يدفع النسيان عن «شهيد» مغمور أو واقعة ضاعت في زحام ما سبقها من وقائع وما تلاها.

ولا يُظنن أن في وصف هذه الأسئلة بالـ«لبنانية» امتيازاً أو مبالغة ما: فالعشرات، بل المئات، من الأنصاب والشواهد واللوحات التذكارية التي تؤثث الفضاء الذي نسعى فيه يومياً ــ أو التي أثثت، لحين، هذا الفضاء ثم اندثرت من تلقاء نفسها أو جدّ ما أوجب إزالتها ــ تستقبلنا بأسئلة من هذا القبيل كما تقص علينا، إن استمعنا إلى ما تقوله، نتفاً مبعثرة من سيرة هذا البلد وناسه ومن سيرة سلامه المتعثر وحروبه الماضية، وترسم، إن أمعنا النظر إليها، الحدود الجغرافية والرمزية الفاصلة الواصلة بين جماعاته، وتشي، أحياناً، بالوجهة التي ييمم شطرها.