«الديوان مُجْتَمع الصحف»
لسان العرب

ديوان الذاكرة اللبنانية قاعدة بيانات مدارها على حرب (حروب) لبنان ــ لا سيما «الأهلية» منها ــ في تاريخها، وفي ما تنعقد عليه من ذكريات، وفي ما يتأسس عليها من ذاكرات، واستطراداً في شهودها بيننا، وفي ما لهذا الشهود من وطأة وتأثير على حياة اللبنانيين، العامة والخاصة، وعلى حياة سواهم ممن شاركوا فيها أو ممن ارتدّت عليهم مفاعيلها.
وليس الحديث عن شهود الحرب بين ظهرانينا ــ والشهود بالعربية، من أسماء الحضور ــ صورة بلاغية لا تقول ما تعني. فـ«الحرب» هنا، الآن، في التصريحات الركيكة التي يتبارز بها أهل السياسة وسواهم، محذرين من المخاطر المحيقة بـ«السلم الأهلي»، وفي «الحوادث الفردية» التي لا يخلو يوم منها، وفي الصفقات العقارية العابرة الطوائف، وحتى... في النكات وفي رنات الهواتف الخلوية.
لعل الظواهر المعددة أعلاه، وسواها كثير، أن تدوم وتدوم، إلى ما قد يبدو لنا غير ذي نهاية ــ جولات جولات من العنف المقيد أحياناً، ومن العنف المنضب أحياناً أخرى ــ تنذر بشّر مستطير لا يقع.
قد يكون ذلك، بل هو منذ نحو عقدين كذلك، غير أن دوام هذه الحال، ولو «تحت السيطرة» لا ينتقص في شيء من أن «الحرب» مسرحُ حياتنا الوطنية المضطربة وأثاثُها، ومن أنه، ولو من ضيق ذرع لا غير، قد آن لنا، نحن اللبنانيين، أن نحمل «الحرب»، سواء في فصولها المنصرمة أو في فصولها الماضية قدماً، على عاتقنا، وأن نرى رأينا، بل آراءنا، فيها، وفي طرائق تدبيرها بوصفها تركة نحن ورثتها ــ مهما نأى البعض منا عن التسليم بذلك بحجة أنها «حرب الآخرين» ــ «الآخرين» من لبنانيين وغير لبنانيين...

وعلى غرار ما إن «الحرب» تركة مشتركة، فتدبيرها، في نهاية المطاف، مسؤولية مشتركة. وليس قولنا «في نهاية المطاف»، من باب الحشو أو فضلة لفظية عارضة. فلقد أثبتت العشرون الماضية، كما تثبت يوميات حياتنا السياسية والاجتماعية، أن اللبنانيين، لأسباب شتى، ليسوا سواسية في ما أوقعوه بينهم وبين «الحرب» من طلاق، وليسوا سواسية في ما يصبون إليه من العيش بأمن وسلام. وإن يأسف المرء لذلك، فموجب الواقعية يقتضي عدم التكفف بالأسى والأسف، وإنما السير قدماً في «نقد الحرب» ــ ومن نافل القول أن التبصر في أسباب تقصيرنا، أقله منذ اتفاق الطائف، في «نقد الحرب» هو جزء لا يتجزأ من هذا النقد.

«لجاجة الذاكرة»، لوحة بتوقيع سلفادور دالي، 1931.

يرقى نسب هذا الموقع إلى العام 2008، يوم أطلقت أمم للتوثيق والأبحاث مشروعاً حمل عنوان: «ما العمل؟ لبنان وذاكرته حمالة الحروب». وإذ يقرأ المكتوب من عنوانه، فلا بأس من الإضافة أن قوام هذا المشروع كان جملة من النشاطات التي تخاطب كل ذي «مصلحة» بماضي هذا البلد، (لا سيما ماضيه القريب)، وحاضره، واستطراداً، مستقبله، ومن ثم فلقد جمع مشروع «ما العمل؟ لبنان وذاكرته حمالة الحروب» نشاطات بحثية صرفاً، (ورشات عمل، ندوات، منشورات علمية)، إلى نشاطات «ثقافية/فنية»، (معارض، عروض أفلام)، وعليه، فطيلة قرابة عامين امتدت خلالهما نشاطات «ما العمل؟ لبنان وذاكرته حمالة الحروب» رافق ديوان الذاكرة اللبنانية هذا المشروع ووثّق لتلك النشاطات. أما اليوم، وفي السياق نفسه، فيعود هذا الموقع، بعد احتجاب إرادي، بفلسفة معدّلة تجعل منه مشروعاً مفتوحاً على وظائف واستعمالات وآفاق شتى تتجه جميعاً وجهة واحدة هي «نقد الحرب».

في حده الأدنى، أو قل في صيغته الابتدائية التي يمثل عليها اليوم، لا يدعي هذا الموقع أكثر من أنه أداة من أدوات ذلك النقد حيث إنه يتيح مولجاً ميسوراً إلى الآلاف من المقالات ومن «المعطيات» ذات الصلة بجملة من عناوين «الحرب» ــ مقالات و«معطيات» في محل دعوة إلى «مراجعة الحرب» في نصوصها ووقائعها وكلماتها، واستطراداً إلى تلمّس شهودها بيننا، بعد عقدين على نهايتها الرسمية، وإلى العود دونما حرج ولا كلل على السؤال الممض: «ما العمل؟» ــ ما العمل بـ«الحرب» بوصفها الاثنين معاً: تركة برسم التصفية وتاريخاً عبثاً يحاول اللبنانيون إنكار ما بينهم وبينه من نسب ورحم.
وإن يقل المرء «الحرب» (الحروب) فهو بطبيعة الحال لا يعني فقط الفترة الممتدة من 1975 إلى 1990، بل يعني أيضاً المرحلة العسيرة التي عقبت الحرب والتي ما يزال اللبنانيون يضربون في شعابها الملتوية؛ ويعني أيضاً عشيات الحرب، أو أقله فصولاً من هذه العشيات، تنزل منزلة المقدمات من البداية «الرسمية» لـ «الحرب»: 13 نيسان 1975.
بهذا المعنى، وفي ما يتجاوز توثيق الحرب ــ مقدماتها، بداياتها، نهاياتها، أشكالها الحربية والرمزية، ظهوراتها الدورية، ثقافاتها ــ فإن ديوان الذاكرة اللبنانية الذي صممته أمم للتوثيق والأبحاث، ونفذته شركة MULTIFRAMES، هو ملك للجمهور اللبناني، ولكل المعنيين بشؤون هذا البلد من لبنانيين وغير لبنانيين، وبهذا الاعتبار فمن طموحاته أن يلاقي القصد من ورائه، وأن يتحول من مجرد خزانة رائقة الترتيب والهندسة والهندمة إلى ندوة إلكترونية عن لبنان وذاكرته حمالة الحروب، أي إلى مجال تفاعلي تعاوني يفتح واسعاً أبواب الحوار، وأبواب السجال إن لم يكن منه بد، وإنما على بيّنة مما في الحوار/السجال من أمر/من أمور، وفي منأى من التوظيف السياسي الآني المتغرض

للموقع في صيغته الحالية عشرة مداخل لا يدعي أيٌّ منها، ولن يدعي يوماً، الكمال؛ وليست قلة الكمال هذه من كسل القائمين عليه أو من تخاذلهم ولكن، ببساطة، لتعذر الكمال في هذا المقام أصلاً.
1975 ــ 1990: سجل يومي يبدأ في 26 شباط 1975، يوم إصابة معروف سعد بطلق ناري خلال مشاركته في مظاهرة الصيادين في صيدا، ويفترض أن ينتهي في 13 تشرين الأول 1990 تاريخ إخراج العماد عون من قصر بعبدا. من نافل القول أن التاريخين المنصوبين في محل «البداية» و«النهاية» من «الحرب» تاريخان اصطلاحيان لا أكثر ولا أقل. فتاريخ البداية يمكن الاستعاضة عنه مثلاً بالثلاثين من نيسان 1973 يوم وقعت الحادثة التي أدت «أحداث 1973»، وتاريخ النهاية يمكن الاستعاضة عنه بـ 31 تشرين الأول 1992 يوم تكليف رفيق الحريري تشكيل حكومته الأولى أو بـ 21 نيسان 1994 يوم اعتقال سمير جعجع... بيت القصيد أن الشروع بتدوين هذا السجل اليومي اقتضى أن يحصر العمل فيه بين تاريخين «تقنيين». هذا ما ذهبنا إليه.
إنها الحرب، ولكن...: من الأحكام المسبقة عن «الحرب»، أية حرب، أنها تعطل «الحياة» ودورتها العادية. واقع الحال أن الأمر ليس كذلك تماماً. الحرب، أية حرب، تحرف «الحياة» عن مسارها المعهود، وتغير من دورتها، فتسرع بعض وتائرها وتبطئ أخرى ولكنها، حتماً، لا تعطلها. بل يمكن القول إن «الحياة» تؤاخي الحرب بأعجل مما يؤاخيها «الأحياء». ومن مرافق الحياة التي تسري عليها «شريعة الحرب» كلما ألقت الحرب عصاها واستقر بها المقام في مكان ما، «الثقافة» بمعناها الأوسع والأرحب. انطلاقاً من هذا التشخيص، يحاول هذا الباب من أبواب ديوان الذاكرة اللبنانية أن يرصد الإنتاج «الثقافي»، (كتب، مسرح، موسيقى، فنون بصرية، سينما)، خلال فترة الحرب، سواء ما نبت منه على هوامشها، منتحلاً اللامبالاة بها، أو ما صدر عنها معترفاً صراحة بنسبته إليها. هنا أيضاً لا بد من الاستدراك: بطبيعة الحال، ليست «الثقافة» كتباً، وأعمالاً مسرحية، ومؤلفات موسيقية، وأفلاماً فقط، غير أن الشروع في تجميع مادة هذا الباب، شأنه في ذلك شأن الباب السابق، 1975 ــ 1990، قضى أن نشرط على أنفسنا شروطاً، وهذا ما يجعل مصطلح «الثقافة» يقتصر، مرحلياً، على ما تقدم.
بخلاف الأبواب الأخرى، يتبوأ
1975 ــ 1990 وإنها الحرب، ولكن... محل الصدارة من الموقع إلى جانب الأيقونة التي تحيل إلى الصفحة الرئيسة من صفحاته، وتلك التي تنفتح على فذلكته، وتلك التي توفر المعلومات الضرورية للتواصل مع القائمين عليه، ولا غرو في ذلك. فهذان البابان، على نواقصهما، هما الإطار الأوسع لكل ما يتضمنه الموقع، حالياً، من معلومات، أو قد يتطرق إليه لاحقاً.
تحت هذه الأيقونات الخمس، بل قل الست إن أضفنا إليها تلك التي تحيل إلى محرك البحث، وهو، بطبيعة الحال، قيد التطوير بموازاة ما تغتني به أبواب الموقع من مادة، بل قل السبع إن أضفنا أيضاً الرمز الذي يظهر أحياناً ويغيب أحياناً أخرى، والذي يحيل إلى النسخة الإنكليزية، غير المنجزة بعد، من الموقع ــ تحت هذه الأيقونات الخمس، عشرة مداخل، (برسم الزيادة)، يعالج ثمانيةٌ منها ثمانيةً من «ملفات الحرب» في حين يطمح الاثنان الآخران إلى ما يدهشنا أن لم يتصدَّ أحد بعد لمباشرته: متحف، ولو افتراضي، لأثريات الحرب، وفهرست لها. على بينة من ضخامة المهمتين، لا يطمح هذان المدخلان إلى أكثر من إثبات هذين البندين، المتحف والقاموس، على جدول الأعمال اللبناني!
عود على المداخل الثمانية: على ما يتبدى للمطالع، من الوهلة الأولى، فبعض «الملفات» التي تعالجها هذه المداخل، (المفقودون، المقابر الجماعية، الاغتيالات السياسية إلخ...)، «مفروغ منه»، على معنى أن معاجته لا تحتاج إلى تعليل؛ في حين أن البعض الآخر («الحرب القهقرى» وهو المدخل الذي يحاول تقفّي ما استحدثته الحرب من مناسبات، عامة أو خاصة، في الروزنامة اللبنانية، أو القتل خلسة وهو المدخل الذي يحاول تعقّب استعمال السيارة المفخخة خلال الحرب إلخ...)، قد يحتاج إلى شيء من التعليل، وهذا ما تحاوله، من كل المداخل بلا استثناء، المقدمة التي تتصدر كل واحد منها ــ علماً أنها، كأيما نص، مقدمات برسم التطوير والتنقيح وإمامُها، كما إمامُ هذا الموقع بمجمله، بما في ذلك ترتيب مادته، ذلكم التحفظ المنهجي المنسوب إلى العماد الأصفهاني: «إنّي رأَيتُ أَنَّهُ لاَ يَكْتُبُ أَحَدٌ كتاباً في يومِه إلا قال في غدِهِ: «لَو غُيِّرَ هذا لكان أَحْسَن، ولو زِيدَ هذا لكان يُسْتَحسَن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أَفْضَل، ولو تُركَ هذا لكان أَجْمَل».
في صيغته الابتدائية التي يمثل عليها اليوم، يغرف ديوان الذاكرة اللبنانية مادته من المصادر المفتوحة، (اليوميات، الدوريات، المنشورات والبيانات الحزبية، الموارد السمعية البصرية، إلخ...) على أنه لا يقصد أن يكتفي بهذه المصادر بل أن يرفدها في مرحلة لاحقة بما جمعته أمم للتوثيق والأبحاث خلال السنوات الماضية من شهادات مسجلة أو من وثائق شخصية، أو بما قد يقترح إضافته، من أفكار أو من بيانات، كل المعنيين بأن يكون لهذا البلد مرفق عام في محل الديوان من ذاكرته.
ولحسن الحظ أن «المعنيين» بشؤون هذا البلد كثيرٌ، بكل معاني الكثرة؛ كثير في مآتيهم ومذاهبهم، وكثير في أفكارهم، وكثير في تجاريبهم، وكثير في ما دعاهم، ويدعوهم، إلى اعتبار أنفسهم «مساهمين» في هذا البلد وشركاء في تركاته المنسوبة إلى «الحرب» ــ نقول لحسن الحظ لأن هذا الموقع يتوجه إليهم أيضاً، لا سيما منهم الناطقين باللغة العربية.
ففي هذه الآونة التي لا يخلو فيها بلد من بلدان الجوار اللبناني، القريب أو البعيد، من حراك، عنيف في معظم الأحيان، مؤداه، في الغالب، الانقلاب على عقود من البؤس السياسي والاجتماعي واراها «سلام مقابر» لا هوادة فيه، ــ في هذه الآونة، يُمْكِنُ لبنانَ، حتى في ارتباكه بين يدي ماضيه وفي تأتأة ذاكراته وتلاطمها، أن ينصب نفسه نموذجاً لا يحتذى؛ وبلحاظ هذا التشخيص، لعل هذا الموقع الذي لا ينكر نسبه إلى ذلك الارتباك وإلى تلك التأتأة، أن ينصب نفسه، والقصد من ورائه، نموذجاً، غير مكتمل، يحتذى
!